أرَق على أرَقٍ

أرَق على أرَقٍ

المتنبي

.

أرَق عـــلى أرَقٍ وَمثــلي يَــأرَقُ
وجَــوًى يَزيــدُ وَعَــبرَة تَـتَرَقرَق

جُــهدُ الصِّبابَـة أن تَكـونَ كَمـا أُرى
عَيْـــن مســهدة وقَلــب يَخــفِقُ

مــا لاحَ بَــرقٌ أو تَــرَنَّمَ طــائرٌ
إلا انثنيــتُ ولــي فُــؤاد شَــيِّقُ

جَـربتُ مـن نـار الهـوى مـا تَنطَفي
نــارُ الغَضــا وتَكـلُّ عَمـا يُحـرِقُ

وعَــذَلْت أهـلْ العِشـق حَـتى ذُقْتُـه
فعجـبتُ كَـيفَ يَمـوتُ مَـنْ لا يَعْشَق

وعَــذَرْتُهم وعَــرفتُ ذَنْبـي أننـي
عَــيرتُهُم فلقيــت منــهُ مـا لَقُـوا

أبنِــي أَبينــا نَحـنُ أهـل مَنـازِل
أبَــداً غــرابُ البَيْـنِ فيهـا يَنعَـق

نَبكـي عـلى الدنيـا ومـا مـن مَعْشَرٍ
جَــمَعَتهُمُ الدُّنيــا فلــم يَتَفَرّقُــوا

أيــنَ الأكاســرة الجبَــابِرَةُ الأُلـى
كَـنَزوا الكُنـوز فَمـا بَقيـن ولا بَقُـوا

مِـنْ كُـلّ مَـنْ ضـاقَ الفَضاءُ بجيشهِ
حــتى ثَــوى فَحـواه لَحْـدٌ ضَيـقُ

خُــرس إذا نُـودوا كـأًنْ لـم يَعْلَمـوا
أن الكَــلامَ لَهُــم حَــلالٌ مُطْلَــق

فـــالموتُ آتٍ والنفــوسُ نَفــائِسٌ
والمسُــتَعزَ بِمــا لَديْــهِ الأحْــمَق

وَالمــرء يَــأْمُلُ والحيَــاةُ شــهيةٌ
وَالشَــيب أَوْقَــرُ والشــبيبةُ أَنْـزَق

ولقـد بَكَـيت عـلى الشـبابِ وَلِمّتـي
مُســوَدةٌ وَلمــاءِ وَجــهي رَونَـقُ

حَــذَرا عَليــهِ قَبــل يَـومِ فِراقِـهِ
حَــتى لكـدت بمـاءِ جَـفني أشـرَقُ

أمّـا بَنـو أوس بـنِ معْـنِ بنِ الرِّضَى
فــأعزُّ مَــن تحـدى إليـه الأينُـق

كَــبرتُ حَــولَ دِيـارِهِم لَمـا بَـدَت
منهـا الشـموس وَليس فيهـا المشـرِق

وعَجــبتُ مـن أرض سـحاب أكـفهم
مــن فَوْقهــا وصُخورهـا لا تُـورِق

وتَفــوحُ مـن طيـب الثًّنـاءِ رَوائِـح
لَهُـــمُ بكــل مكانَــةٍ تُستَنْشَــق

مســـكيةُ النفَحـــاتِ إلا أَنهـــا
وَحشـــية بســـواهُمُ لا تعبَـــق

المتنبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *