الخطبة البليغة (خطبة حجة الوداع)

الخطبة البليغة (خطبة حجة الوداع)

إحترت في الاختيار للطرح التالي, و بمناسبة هذه الأيام السمحة جلست أفكر لبرهة في خطبة و هناك العديد منها من السلف الصالح, و لكن ثبت في عقلي أخيرا الرجوع للأصل, ألا و هي خطبة الوداع أو كما يقال الخطبة البليغة, و التي رسم و لخص فيها رسول الله صلى الله عليه و سلم الاسلام و ضوابطه في كلمات بسيطة و لكن بليغة القول و المعنى و قد كانت مؤثرة جدا حيث أن بعدها نزلت أخر أية.

لذا إخترت من هنا و هناك ما يفيد ذكرها و إن أختلفت روايات و قد قيل أنها قيلت على جزئين الأول في يوم عرفة و الجزء الثاني في يوم النحر و لكن سنذكرها كاملة و أعتقد أنها مرت على الجميع, و المهم أرجو أن نأخذ المفيد و لا نقف عند تشكيك و تلميح و عدم تركيز كما يفعل البعض, فعليك القراءة و خذ ما يناسبك و يرتاح له قلبك و يضيف لك حسنا. و عموما أنا أطرحها و هي موجودة و معروفة في كل مكان و لكن أردت تذكر لنفسي و تذكير لغيري قبل يوم عرفة لأستشعر بها و أعيشها في يومها, و كان في خاطري لاحقا أن أختار دعاء ليوم عرفة عسى أن أوفق بإذنه تعالى.

—————————-

في يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة سنة عشر من الهجرة المباركة.

نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقصده الحج لهذا العام، فاجتمع حوله مائة وأربعة وأربعون ألفًا من الناس في مشهد عظيم، فيه معان العزة والتمكين، ألقى الرعب والفزع في قلوب أعداء الدعوة ومحاربيها، وكان غصة في حلوق الكفرة والملحدين.

قبل ثلاثٍ وعشرين سنة من ذلكم الوقت كان فردًا وحيدًا، يعرض الإسلام على الناس فيردوه، ويدعوهم فيكذبوه، في ذلكم الحين كان المؤمن لا يأمن على نفسه أن يصلي في بيت الله وحرم الله.

ها هم اليوم مائة وأربعة وأربعون ألفًا يلتفون حول الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم في مشهدٍ يوحي بأكمل معان النصر والظفر، ويجسد صورة رائعة، تحكي بأن الزمن وإن طال، فإن الغلبة لأولياء الله وجنده، مهما حوربت الدعوة وضيق عليها، وسامها الأعداء ألوان العداء والاضطهاد، فإن العاقبة للحق ولأهل الحق العاملين المصلحين: وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَاء وَٱلضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214].

و الخطبة ألقاها الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يوم عرفة من جبل الرحمة وقد نزل فيه الوحي مبشراً أنه “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً”

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.
أيها الناس إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا – ألا هل بلغت اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها.

وإن ربا الجاهلية موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون وقضى الله أنه لا ربا. وإن أول ربا أبدأ به عمي العباس بن عبد المطلب.

وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية والعمد قود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

أما بعد أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحرقون من أعمالكم فاحذروه على دينكم، أيها الناس إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ليوطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله السماوات والأرض، منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

أما بعد أيها الناس إن لنسائكم عليكم حقاً ولكم عليهن حق. لكم أن لا يواطئن فرشهم غيركم، ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئاً، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيراً – ألا هل بلغت? اللهم فاشهد.

أيها الناس إنما المؤمنون إخوة ولا يحل لامرئ مال لأخيه إلا عن طيب نفس منه – ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

فلا ترجعن بعدى كافراً يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت … اللهم فاشهد.

أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب أكرمكم عند الله اتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى – ألا هل بلغت….اللهم فاشهد قالوا نعم – قال فليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع..

أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية، ولا يجوز وصية في أكثر من ثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر. من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل.

والسلام عليكم.

ولما فرغ من خطبته نزل عليه قوله تعالى: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3].

وعندما سمعها سيدنا أبو بكر و قيل سيدنا عمر رضي الله عنهما بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان.

ولما قضى مناسكه حث المسير عائدًا إلى طيبة الطيبة

————————————

و الخطبة لا تحتاج تعليق أو شرح
فهي واضحة البيان للعيان
أعاننا الله على أنفسنا
و إتباع سنة نبينا
و على نصرة ديننا
و عمل الصالحات من الأعمال
و ندعو الله الجليل القدير
أن يكرمنا بشفاعة حبيبه
و الثبات على الصراط
و الفوز بالجنة
و النجاة من النار
بعفوه و كرمه و لطفه
و هو رب الأرباب
مالك الرقاب
و نشهد أن لا إله إلا الله
و أن محمداً رسول الله
قد أدى الأمانة
وبلغ الرسالة
و نصح الأمة
و جاهد في الله حق الجهاد
فأته اللهم الوسيلة و الفضيلة
و المقام المحمود الذي وعدته
و أجزه عنا خير الجزاء

و صلى الله علي سيدنا و نبينا محمد و على أله و صحبه و سلم,

و الله أعلم.

Permanent link to this article: http://walsaggaf.com/wordpress/?p=338

اترك تعليقاً

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: