لَوعٍ مُقتَحمِ

لا أملك نفسي عن متابعة ذكر الحبيب و حبه, و هذه قصيدة كنت كتبتها في مثل هذه الأيام في يوم السبت 12 ربيع الأول 1428هـ و قد كتبتها بعد التعطر بقراءة في السيرة الزكية في ذاك اليوم و أنهيت ليلي بها حتى الفجر, و قد كنت وحيدا بدون إحتفالا كما قد يحكم البعض و كما يحكم على آخرين دون علم أو حق في معنى الاحتفال بمولده الشريف, و الاحتفال هو دائم به طوال الايام, و لكن للناس مدارك و أحكام, و أعان الله كل على نفسه, و مع المعذرة فهي طويلة بعض الشىء لآنها بوح كثير و هو قليل من كثير في الحقيقة و لا معنى لتقطيعها, و لن أطيل بعد ذلك في المستقبل, و عموما ليس أحدا ملزما بقراءة, و الأهم من كل ذلك, لا تنسوا الصلاة على حبيبكم,

قَلبي ملىءٌ بشوقٍ مُحْتَدمِ
و ذَابَ الفُؤادُ منْ لَوعٍ مُقتَحمِ

أشَواقي تَحِرقني فِي جَسَدِي
و ضُلوعي تَلتَوي من ألمَيِ

أبْكي عَلى نَفْسِي و جَهلِها
و تَقصِيري في حُبي و فَهمِ

تَجفُو بِنا الأيَام في مُرورها
فتَحلُو بذَكرْنا لخير مُبْتَسِمِ

و كيف نَغفُو و نَنسى ذِكرها
و نُحي ذكرَى حبٍ بِلا كَلِمِ

هذه ذِكرَى لا يُجَاريِها مُنافسَة
بينَ الأحَداث في تاريخِ الأُمَمِ

ذِكرَى هِدَاية بَني آدم قاِطبة
و فَضْلُ الله على العُربِ و العَجمِ

يَوم فَرِحتْ به الخَلاِئق كاَملة
فسَجدْت بُشرَى لِنورِ ذي الكَرمِ

و السَبعُ و الضَبعُ في هَيجِه سَكَنَ
و إستَبشَروا بِمولدِ خيرَ بني الأَنَمِ

و الطيرُ أصَبح يُغَرِدُ مُنتَشياً
فصَدح في الأفاق بأحَلى نَغَمِ

و الملأُ الأعَلى بِمولده إبتَهجَ
و الشَجرُ من فَرَحِه لمْ يَنَمِ

و القَمرُ في غَسقِ الدُجَى أضَاءَ
بِنُورٍ ضَاءتْ له النُجْمِ

و الحُوت في البَحرِ سَبْحَ مُهَلِلاً
و النَملُ في بَطنِ الأرضِ مُبْتَسِمِ

و الوردُ فَاض بِطِيبٍ عَبقٍ
و الداب في سَعي رزقه مُنتَظِمِ

و الشَرُ كُلُ جُنوده إرتعَدت
و إرتَجف خوفا كُل صَنمِ

و الخير لاح في زهوٍ مُنشَرِحاً
مُلتَمِساً قُدومِ مُحيِ أحلى القِيَمِ

و الفُرسُ أعلى نارها قد إنطفأت
و غدا الكون في طَربٍ مُنسَجمِ

كَيفَ لا و الولِيدُ أحمدا
فلو لاهُ مَا كَان في الوجود آدمِ

رَحِمَ الله به كُل خَلْقِه
و أهَدى لَهمْ سَيدَ الأُمَمِ

من خَيرِ نَسلٍ كان صُلبَه
تَتَالى في الأجَيال مِنَ الحَكَمِ

نوحٌ و الخليلُ و عدنانُ هُموا
و صفوةُ قريشٍ بَني هَاشمِ

رعَاهُ بِعينٍ قَبلَ خلقِه
و أبَدعَ في صَونِه بالشِيمِ

و قَرنَ إسمه بَعدَ جَلاله
حُباً لهُ بِفَضلٍ و كَرَمِ

صَلىَ عليك الله يا مُحمدا
صلى عليك مع كُلِ مَنْسَمِ

يا مُهجَة النُفوسِ في زهْوِها
يا خيرَ من وطأَ الأرض بالقَدمِ

زَادَ حُسُنكَ بهاَء التَأدب
و أعَجبَ خُلُقُكَ سَاكِني الحرمِ

و ما تَمامُ الدين إلا بحُبِك
مُقَدماً على كُلِ ذي رَحمِ

جِئتَ بالقولِ السَديدِ من ربك
فكنتَ نِبرَاساً و خيَر مُعلِمِ

و إنقَشعتْ غَياهب الدُجى بِنُورك
و دَانتْ لدِينكَ سَائر الأمُمِ

زرَعتَ الخير في كُل مَوطنٍ
و لَمْ تَبخَلْ بجُهدٍ فكنتَ بَلسمِ

و ضربتَ الأمثال في كل موقفٍ
و كُنتَ نُصرةً لكل مُنهَزمِ

تَجلتْ قُدرة الله في نَقَائه
لكَ يا سيدي في اللوحِ بالقَلمِ

و ثَبتَ حقِك على البرية كافة
قبل خلق الدنيا من العَدمِ

فكنت نُوراً يُستَضاءُ به
بَاقٍ لكلِ نارٍ مُلتَهمِ

أنتَ الفضيلةُ فاح عِطرُها
عِبر السنين دَامت لنا نِعَمِ

ذَكَرَك الله في كتابه بقوله
“وإنك لَعلَى خُلُق عظيم” فَنَعَمِ

فَسَما بِالمناقِب في خَير عِباده
و عنه السهوَ قد عَصِمِ

و الحُسنُ من نُوره خَجل
و هو في حِفظٍ و مُعْتَصمِ

و الفِضلُ عند بَابِه إنتَفضَ
يَجثُو بُحُبٍ غيرِ مُنفَصِمِ

و النباتُ و الجمادُ في حُبه إتحدا
كَحبلِ سِرٍ في رَحمٍ مُلتَحِمِ

فأضحى دُرةَ الوجود بِمفخَرة
و كان للرُسل مِسكُ الخَتمِ

جَفَتْ دمُوع العين بعد موتكَ
و باقي الدَهر كُلُ دَمعٍ من دمِ

لا سلَو في عيشٍ بعد فِراقكم
و دُونَ الماء لا حيَاة لِقَومِ

و الطفل بلا أمٍ فاقد عقَله
و عند غِياب الأبِ في كَدمِ

يرجو النَجاة و لا يرى دربها
كمعصُوب العين في حِلكةِ الظُلَمِ

يا نُورَ عيني كُنْ لي مَنارتي
كي لا تكون نهايتي في الندم

لا تكفي أبيات أنظُمها في مدحك
فقد سَبقَ غيري و كل ذي علمِ

و لم يَأتوا بِذَرٍ من حُسنِك
و قد مَدحكَ الخالق فوق الأنجُمِ

يا حبيبي قَتلني شوقي لرُؤياكم
و أن تكون شَفيعي يَوم الحُكْمِ

و تسقيني بيدك من حوض مائك
فيهنأ بَالي و تَخمد فيه الحِمَمِ

يا رَبِ نَسمة من رِيح طَه
ليَعمُر قَلِبي و يَسمُو بالهِمَمِ

بَلْغه أغلى السَلام مِني
و مُنتَهى حُبي من كُلِ عَظْمِ

صَلى عَليك اللهُ صَلاةً دائمة
ما طَارَ طيرٌ و مَا وضَعتْ رَحمِ

صَلى عَليك من أعَلى الِقمَمِ
مَا إرتدَ طَرفٌ و مَا رَفرَف عَلمِ

صلى الله على محمد
صلى الله عليه و سلم

والله أعلم
وليد السقاف

Permanent link to this article: http://walsaggaf.com/wordpress/?p=862

اترك تعليقاً

لن ينشر بريدك الإلكتروني.

%d مدونون معجبون بهذه: